محمد بن جرير الطبري

201

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وللقاعدين الحسنى ، ولو كان القاعدون مضيعين فرضا لكان لهم السوأى لا الحسنى . وقال آخرون : هو فرض واجب على المسلمين إلى قيام الساعة . ذكر من قال ذلك : حدثنا حسين بن ميسر قال : ثنا روح بن عبادة ، عن ابن جريج ، عن داود بن أبي عاصم ، قال : قلت لسعيد بن المسيب : قد أعلم أن الغزو واجب على الناس فسكت . وقد أعلم أن لو أنكر ما قلت لبين لي . وقد بينا فيما مضى معنى قوله " كتب " بما فيه الكفاية . القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ يعني بذلك جل ثناؤه : وهو ذو كره لكم ، فترك ذكر " ذو " اكتفاء بدلالة قوله : " كره لكم " عليه ، كما قال : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ وبنحو الذي قلنا في ذلك روي عن عطاء في تأويله . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء في قوله : وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ قال : كره إليكم حينئذ . والكره بالضم : هو ما حمل الرجل نفسه عليه من غير إكراه أحد إياه عليه ، والكره بفتح الكاف : هو ما حمله غيره ، فأدخله عليه كرها وممن حكي عنه هذا القول معاذ بن مسلم . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد ، عن معاذ بن مسلم ، قال : الكره : المشقة ، والكره : الإِجبار . وقد كان بعض أهل العربية يقول الكره والكره لغتان بمعنى واحد ، مثل الغسل والغسل ، والضعف والضعف ، والرهب والرهب . وقال بعضهم أهل العربية : الكره بضم الكاف اسم والكره بفتحها مصدر . القول في تأويل قوله تعالى : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ يعني بذلك جل ثناؤه : ولا تكرهوا القتال ، فإنكم لعلكم أن تكرهوه وهو خير لكم ، ولا تحبوا ترك الجهاد ، فلعلكم أن تحبوه وهو شر لكم . كما : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وذلك لأَن المسلمين كانوا يكرهون القتال ، فقال : عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم . يقول : إن لكم في القتال الغنيمة والظهور والشهادة ، ولكم في القعود أن لا تظهروا على المشركين ، ولا تستشهدوا ، ولا تصيبوا شيئا . حدثني محمد بن إبراهيم السلمي ، قال : ثني يحيى بن محمد بن مجاهد ، قال : أخبرني عبيد الله بن أبي هاشم الجعفي ، قال : أخبرني عامر بن واثلة قال : قال ابن عباس : كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " يا ابن عباس ارض عن الله بما قدر وإن كان خلاف هواك ، فإنه مثبت في كتاب الله " قلت : يا رسول الله فأين وقد قرأت القرآن ؟ قال : في قوله : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ القول في تأويل قوله عز ذكره : وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ يعني بذلك جل ثناؤه : والله يعلم ما هو خير لكم مما هو شر لكم ، فلا تكرهوا ما كتبت عليكم من جهاد عدوكم ، وقتال من أمرتكم بقتاله ، فإني أعلم أن قتالكم إياهم ، هو خير لكم في عاجلكم ومعادكم وترككم قتالهم شر لكم ، وأنتم لا تعلمون من ذلك ما أعلم ، يحضهم جل ذكره بذلك على جهاد أعدائه ، ويرغبهم في قتال من كفر به . القول في تأويل قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ يعني بذلك جل ثناؤه : يسألك يا محمد أصحابك عن الشهر الحرام وذلك رجب عن قتال فيه . وخفض " ال قتال " على معنى تكرير عن عليه ، وكذلك كانت قراءة عبد الله بن مسعود فيما ذكر لنا . وقد : حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قال : يقول : يسألونك عن قتال فيه ، قال : وكذلك كان يقرؤها : " عن قتال فيه " . قال أبو جعفر : قل يا محمد قتال فيه ، يعني في الشهر الحرام كبير : أي عظيم عند الله استحلاله ، وسفك الدماء فيه . ومعنى قوله : قِتالٍ فِيهِ قل القتال فيه كبير . وإنما قال : قل قتال فيه كبير ، لأَن العرب كانت لا تقرع فيه الأَسنة ، فيلقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يهيجه تعظيما له ، وتسميه مضر " الأَصم " لسكون أصوات السلاح وقعقعته فيه . وقد : حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري ، قال : ثنا شعيب بن الليث ، قال : ثنا الليث ، قال : ثنا الزبير ، عن جابر قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو الغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى ، أو يغزو حتى إذا حضر ذلك أقام حتى